محمد طاهر الكردي
217
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ويكون في ستر وخفاء . ومن أين لأولئك الأقوام أن يتخذوا السمر والسهر ، في اللهو والفساد ، ديدنهم طول حياتهم ، وهم يستضيئون بالشمع والزيت في منازلهم وبيوتهم وشوارعهم وطرقاتهم ، والاستضاءة بهما لا يبعث في النفس النشاط وقوة الاستمرار في المرح . لذلك كان دأبهم النوم المبكر بعد صلاة العشاء ، وإن كان هناك داع للسهر فلا يتجاوز ربع الليل ، ليتمكنوا من التهجد والقيام في الفجر ، والانتشار في الصباح الباكر إلى المعيشة ، وهم على أتم ما يكون من النشاط والصحة ، لذلك ورد في الحديث : « اللهم بارك لأمتي في بكورها » . فمن كانت حياتهم ، بهذه الوتيرة والكيفية ، فهم في احتياج إلى من يوقظهم من النوم للسحور في شهر رمضان ، ولما لم تكن ، في تلك القرون ، المدافع المدوية ولا الصفارات الصارخة ولا المفرقعات المزعجة ، كان أبسط شيء هو قيام بعض الرجال ، من بعد مضي نصف الليل تقريبا ، ليدوروا في الشوارع والأزقة والمنعطفات ، فيطرقوا أبواب المنازل ، وينادوا أصحابها ليستعدوا للسحور ، فهؤلاء الرجال هم الذين يطلق عليهم « المسحرون » أو « المسحراتية » ، ثم تطور أمرهم إلى اتخاذ الطبول والضرب عليها بدق منتظم ، مع مناداة أصحاب البيوت من الرجال ، وهذا بدلا عن الطرق على أبواب المنازل ، ثم تطور الحال إلى إنشاد بعض الأشعار المناسبة لشهر رمضان ، من البحور الخفيفة اللطيفة ، كبحر الرجز ، وتخصص بعضهم بإيقاظ الخلفاء والأمراء والأعيان وينشدون لهم في جنح الليل بعض القصائد المستملحة . المسحر أو المسحراتية ، في زماننا هذا ، لم يبق لهم إلّا أثر بسيط لا يذكر في غالب الممالك ، أما عندنا في الحجاز فإنه لم يبق لهم أثر مطلقا من عام ( 1343 ) ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة ، أي منذ تولّي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ، رحمه اللّه تعالى ، على الحجاز . فإيقاظ الناس في المدن للسحور ، في شهر رمضان ، يكون بواسطة ضرب المدافع ، وكذلك إعلامهم للإفطار في المغرب أو تنبيههم للإمساك قرب الفجر ، يكون بواسطة إطلاق المدافع أيضا ، أما القرى البعيدة عن المدن فلا يسمع أهلها صوت المدافع ، فإن أهلها يستيقظون في الليل بأنفسهم للسحور ولقلة عددهم ، ينادون بعضهم البعض للقيام للسحور .